مجد الدين ابن الأثير
214
المختار من مناقب الأخيار
أصحابه ، فقعد في مجلسه ثم صاح : يا ناطور « 1 » ! فقلت : هو ذا أنا . قال : اذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه . فذهبت فأتيته بأكبر رمان ، فأخذ الخادم رمّانة فكسرها فوجدها حامضة ، فقال لي : يا ناطور ! أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا وتأكل رمّاننا لا تعرف الحلو من الحامض ؟ ! قلت : واللّه ما أكلت من فاكهتك شيئا ، وما أعرف الحلو من الحامض . فأشار الخادم إلى أصحابه فقال : أما تسمعون كلام هذا ! ؟ ثم قال : أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا ، فانصرف ، فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد ، فعرفني بعض الناس ، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس « 2 » ، فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر والناس داخلون ، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب ، فهذا كان أوائل أمري . وزاد في رواية أخرى : إذ هو على فرسه يركضه خلف الصّيد إذ سمع صوتا من فوقه : يا إبراهيم ! ما هذا العبث ؟ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] اتق اللّه وعليك بالزاد ليوم الفاقة . فنزل عن دابّته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة « 3 » . وقال شقيق البلخيّ : لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام فقلت : يا إبراهيم ! تركت خراسان ؟ فقال : ما تهنّيت بالعيش إلا في بلاد الشام ، أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق ، ومن جبل إلى جبل ، فمن يراني يقول : موسوس [ ومن يراني يقول : هو حمال ] « 4 » . ثم قال لي : يا شقيق ! لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ ، ولا بالجهاد ، وإنما نبل عندنا من نبل من كان يعقل
--> ( 1 ) في الحلية : « يا ناظور » بالظاء المعجمة ، وكلاهما بمعنى . ( 2 ) يقال : جاء القوم عنقا عنقا : أي طوائف وفرق ، كل جماعة منهم عنق . اللسان ( عنق ) . ( 3 ) الحلية 7 / 368 ، 369 . ( 4 ) ما بين معقوفين من مصادر الخبر .